جلال الدين السيوطي

88

معترك الاقران في اعجاز القرآن

الأول في الترتيب الثابت على اللغة الشهيرة ، والثاني على اللغة الأخرى ، على ما قد تقدم في مثل هذا . وعكس الوارد مخالف للترتيب ، ولا يناسبه . وأما قوله : « إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ » بإضافة اسمه تعالى إلى ضمير الخطاب فإنه يناسب من حيث ما فيه من التلطف والرفق لما تقدمه من قوله تعالى « 1 » : « فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً » . وقد تفسّر هنا القول ، وتبيّن ما فيه من التلطّف في قوله تعالى في آية النازعات « 2 » : « فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى . وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى » . وناسب هذا ما بنيت عليه سورة طه من تأنيس نبينا ومولانا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وتأنيس موسى كليمه بقوله « 3 » : « وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى » ؛ وما بعده إلى قوله : " قد أوتيت [ 232 ب ] سؤلك يا موسى " ؛ وما بعده . فلما كان مبنى هذه السورة بجملتها على التلطّف والتأنيس ناسب ذلك بما أمر موسى عليه السلام من دعاء فرعون وأنه ولطفه ، وأمر موسى عليه السلام وأخيه هارون بذلك ؛ فقيل لهما « 4 » : « فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً » . وجرى على ذلك قوله : « إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ » ؛ فأشعرت هذه الإضافة بالتلطف الربّانى . ولما لم تكن سورة الشعراء مبنية على ما ذكر ؛ وإنما تضمنت تعنيف فرعون وملأه وإغراقهم ، وأخذ المكذّبين للرسل بتكذيبهم ؛ وهذا في طرف من التلطف - ورد فيها : « فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ » ، بإضافة اسمه تعالى إلى العالمين ؛ لتحصيل أنه مالك الكلّ ، وأنهم تحت قهره تعالى ، وفي قبضته ، وعدل عن الإضافة إلى ضمير الخطاب ؛ إذ لم يقصد هنا ما قدم من التلطف .

--> ( 1 ) طه : 44 ( 2 ) النازعات : 19 ( 3 ) طه : 13 ( 4 ) طه : 37